لقاء لـ”نادي قاف للكتاب” مع الكاتب انطوان الدويهي

استضاف نادي “قاف” للكتاب في طرابلس، في لقائه الشهري عن أيلول 2022، الكاتب اللبناني الدكتور أنطوان الدويهي، محاوراً إياه حول مساره الأدبي، خصوصاً روايته ” آخر الأراضي”، الصادرة عن “الدار العربية للعلوم” و”دار المراد” في بيروت. وقد تم اللقاء يوم الجمعة، 9 ايلول، الساعة السابعة والنصف مساء، عبر تطبيق “زوم” على مدى أكثر من ساعتين. وتميّز هذا اللقاء بمستوى الحوار الثري والعميق الذي ساده، تاركاً أبلغ الأثر في نفوس المشاركين والحاضرين، من مختلف المشارب.

افتتحت اللقاء رئيسة النادي الدكتورة عائشة يكن، مرحبة بالدويهي وبالحضور، ثم أعطت الكلام للأستاذة نجاة الشالوحي، التي تولت التعريف بشخص الدويهي، الشاعر والروائي والمفكر، وبمساره الأدبي والفكري والأكاديمي (كدكتور في الأنتروبواوجيا من السوربون، وكأستاذ جامعي)، إضافة إلى إسهامه كمحلل وكاتب افتتاحيات في الصحافة اللبنانية المهاجرة إلى باريس، حيث أقام نحو عشرين عاماٌ، ملقية الضوء على مجمل أعماله الأدبية، ومؤلفاته الأنتروبولوجية في التاريخ الثقافي- المجتمعي وفي تاريخ الأفكار في المدى اللبناني، ومئات المقالات والدراسات الصادرة عنه.

ثم تولّت الشالوحي محاورته، طارحة عليه مجموعة أسئلة حول طبيعة عالمه الأدبي، خصوصا موقع أمكنة الطفولة فيه، وموضوعاته، وغاياته، مركّزة على روايته ” أخر الأراضي” حيث يتمحور العمل حول اختفاء حبيبة الراوي الشابة كلارا بصورة مفاجئة غريبة، ذات مساء شتوي بارد، حين، على غير عادة منها، تخلفت عن الحضور الى موعدهما في صالة الشاي في حديقة لوتيسيا، على مقربة من المعهد الملكي حيث كانت تنهي أحد دروسها. ويخبر الراوي في ” آخر الأراضي” مسارات بحثه المضني عن سر اختفاء كلارا، على مدى زمني طويل، بات خلاله هذا البحث المأسوي هاجسه الأوحد.

وسط استماع ومشاركة العديد من المهتمين، وإضافة إلى إسهام الأستاذة الشالوحي، تم الحوار الأساسي بين الدويهي وكل من الدكتورة وفاء شعراني والدكتورة غادة صبيح والأستاذة زينب اسماعيل والأستاذة عبير المصري بخاش والأستاذ كفاح (كما عرّف عن نفسه، متصلا من كندا). كانت لهذه المجموعة إضاءات عميقة، مؤثرة، مرهفة المشاعر، على “آخر الأراضي” تناولت العمل من مختلف جوانبه، وأظهرت تفاعلا ثقافياً ووجودياً حياً مع خصائص أدب الدويهي، أغنت الحوار كثيرا ونقلته الى مستوى رفيع من الأسئلة والإجابات.

ذكر الدويهي، في معرض إجاباته، أنه ادرك أن دعوة الكتابة هي دعوته منذ الرابعة عشرة من عمره. وبدأ من ذلك الحين تدوين ما أسماه ” يوميات الحياة الداخلية”، المستمرّ فيها حتى الآن. ليست هي مكتوبة كل يوم، ولا تتناول مجريات الاحداث البارزة. هي تحاول التقاط تلك اللحظات التي يسميها الكاتب بال”مضاءة” او “المتوهجة” في نهر الحياة الداخلية الذي لا يتوقف.

وأشار الكاتب إلى أن أعماله الشعرية والسردية والروائية مستمدة جميعها من “يوميات الحياة الداخلية” التي تشكل معينه السري. وأنها لا تدور في العالم الخارجي، الاجتماعي او التاريخي، بل في العالم الداخلي. وأضاف: “يظن البعض ان الحياة الداخلية هي فسحة فردية ضيقة. لكن في الحقيقة الحياة الداخلية هي الكون برمته. وحين تنطفئ، ينطفئ الكون”. وأضاف أيضاً  بأن أدبه ليس أدباً فكرياً أو فلسفياً يهدف الى تزويد القارئ الحقيقة (كما كان عليه أدب روّاد المدرسة اللبنانية، مثلا، كجبران ونعيمة والريحاني وسواهم)، وليس هو أدب موضوعات اجتماعية أو سياسية أو تاريخية او غيرها( كما هي عليه معظم الأعمال الروائية اليوم). وان الفكر (على الرغم من أنه مكوّن أساسي في الذات البشرية)، فهو يبقى ثانوي الأهمية في عالم الدويهي الأدبي، حيث تسود المشاعر والحالات والهواجس والنزعات واللاوعي والحلم والحدس والرؤى وتلمّس الأسرار، وحيث تتساوى العلاقة بالأحياء والأموات والطبيعة، وحيث الزمن الداخلي زمنٌ دائري (غير امتدادي) تلتقي فيه بلحظة أشياء الحاضر بأشياء الماضي البعيد، وحيث الذاكرة هي “شمس الروح”.

وعن رواياته الثلاث الأخيرة، قال انها لا تنطلق بدورها من أي موضوعات، بل من هواجس عميقة تسكنها. هاجس الخوف من فقدان الحرية في “حامل الوردة الأرجوانية”، وهاجس الوله ومتاهاته في “غريقة بحيرة موريه”، وهاجس الموت- الاختفاء في “آخر الأراضي”…

وعن كثرة الأمكنة في عالمه الأدبي، أشار الى علاقته القوية بالطبيعة، والى “الأمكنة المختارة” التي تلج الذات نهائياً وتصبح من أشياء الداخل، وتحدّث عن “جغرافيته الأدبية” الفسيحة، الممتدة بعيداً في العالمين، على مثال حياته، من مطلات جبل لبنان شرقاً حيث أمكنة الطفولة والصبا الأول، إلى شواطئ المحيط الأطلسي غرباً، مروراً بضفتي البحر المتوسط، ومروراً بغابات بلدته الجبلية ووهادها، وب” الحي القديم” في بلدته الساحلية، وبطرابلس القديمة، والميناء، وجونية، وبيروت، ومرسيليا، وتولون، وأرل، وجبال السيفين والأوفيرنيه، وباريس، وسان مالو، وبلاد النورمان، وبلاد البروتون، ومرتفع الملاك ميخائيل، وبروج، والبندقية، وفلورنسا، وروما، وما لا حصر له من الأمكنة الأخرى…

ويصف الدويهي نفسه ب “بالشاهد” قائلا :” ما أنا إلا شاهد، أشهد لما انا فيه”، و”ما انا إلا عابر لا يحكم ولا يدين”، كما جاء في مطلع مؤلفه الأول، “كتاب الحالة”، وهو عمل شعري.

وخلال الحوار، ألقى الدويهي قصيدتين، هما : “امرأة الشرفة”، و” كقمر زائف”.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: