لماذا العودة إلى “حكاية فيصل” لخالد زيادة؟

جان نايف هاشم- رصيف 22

لماذا العودة إلى رواية “حكاية فيصل” للدكتور خالد زيادة، بعد ثلاث وعشرين سنة على صدورها؟

إنه السؤال الذي طرحه الجميع في الندوة التي أحياها، في الأوّل من شهر شباط الجاري، نادي “قاف” للكتاب، بالتعاون مع اللجنة الثقافية في بلدية طرابلس-لبنان، وذلك حضورياً في قصر نوفل، أو عن بعد، عبر تطبيق زوم. وقد أدار النقاش الدكتور باسم بخّاش، رئيس اللجنة الثقافية في البلدية.

جاء الجواب عن السؤال الأوّل والبديهي، أوّلاً من رئيسة نادي “قاف”، الدكتورة عايشة يكن، التي أوضحت أن بعض أعضاء النادي اقترحوا مناقشة هذا العمل الروائي التاريخي على أساس أن المنطقة العربية تشهد اليوم ظروفاً مشابهة لتلك التي أحاطت بالثورة العربية على العثمانيين، وإعلان الملك فيصل الأوّل الاستقلال وقيام المملكة العربية السورية ثمّ مبايعته ملكاً عليها، والتي لم تعمّر سوى أشهر قليلة بعد الهزيمة في وجه الفرنسيين.

طبعاً كانت السلطنة في تلك الحقبة في طريقها إلى الانهيار، وكانت المخطّطات لتقاسم المنطقة وإعادة توزيعها بين الحلفاء (فرنسا وبريطانيا) جارية، وربّما مُنجزة من دون أن تُعلن، إلى أن كانت اتّفاقية سايكس-بيكو، وذلك في غفلة من العرب أو من وراء ظهورهم. وما أشبه اليوم بالأمس. وهذا ما أكّده صاحب الرواية الدكتور زيادة، مضيفاً أن “حكاية فيصل” تتناول مرحلة مهمّة من التاريخ العربي الحديث، باتت اليوم مجهولة عند شريحة واسعة من الجيل الجديد، لافتاً إلى أن التاريخ بهذا المعنى ليس له صلاحية، لا بل كلّما تقادم ازدادت صلاحيته.

لا بأس إذن من العودة إلى هذه الرواية أوّلاً لمزيد من التمعّن في وقائع تلك المرحلة المفصلية، وثانياً لإيضاح خلفياتها وما ترتّب عنها من تداعيات ما نزال نعيش تأثيراها حتى يومنا هذا.

قد يكون في شخصية الملك فيصل بعض الضعف والتردّد، لكن أسباباً أخرى عرقلته وعوّقت حركته السياسية، وأهمّها علاقته الملتبسة والمضطربة بوالده الشريف حسين الذي لم يكن يثق به، لا بل يستخفّ به، والذي قطع عليه طريق المناورات والتواصل مع سائر القوى العالمية

لا شكّ أن أعمالاً كثيرة تناولت أحداث تلك الحقبة، تأريخاً أو دراسةً وتحليلاً، إلا أن خالد زيادة تناولها بأسلوب روائي فني، أضفى عليها مزيداً من الحيوية والتشويق، وفتح أمامه طبعاً مجال الغوص على الأفعال وردّات الفعل، وعلى الحالات النفسية وطبيعة بعض الشخصيات التي واكبت فيصل في ثورته وفي هزيمته، وذلك عبر عين شخصية الراوي، وهو هنا الملك فيصل الأوّل، بطل الرواية والشخصية الوحيدة الطاغية بقوة فيها.

سقوط دمشق
تبدأ أحداث الرواية مع هزيمة قوات المملكة الحديثة العهد أمام الفرنسيين وسقوط دمشق، واضطرار فيصل إلى مغادرتها بالقطار إلى الكسوة كيلا يؤسَر مع أعضاء حكومته. ومن هنا تبدأ رحلته الطويلة عبر المحطّات والموانئ، في الشرق وفي الغرب، سعياً إلى الحصول على الاستقلال الموعود وإلى استعادة المُلْك الضائع.

لكن الرحلة الأهمّ التي تبدأ هي عبر ذاته مع استعادته شتّى الظروف التي أدّت إلى هزيمته، ليغرق في عملية تقييم ذاتي أولاً، من دون أن يوفّر أو يتغاضى عن طبيعة تكوينه الشخصي ولا عن الأخطاء المحتَمَلة التي يمكن أن يكون قد وقع فيها، ولا عن سوء السياسة والإدارة ربّما في تعاطيه مع الخصوم المفترَضين كما مع أعوانه المقرّبين.

ويتناول ثانياً مواقف أعوانه وتصرّفاتهم وسياساتهم في ضعفهم وقوّتهم، في صدقهم ونفاقهم، في غيرتهم على المصلحة العامة وحرصهم على مصالحهم الشخصية، في مواقفهم العقلانية المتروّية عند البعض، وفي حماسهم وتهوّرهم عند البعض الآخر.

علاقة الملك فيصل المتوتّرة بوالده المتسلّط العنيد والقليل الحنكة ربما، والذي “وضع البيض كلّه في سلّة واحدة”، أمضَّت فيصل حتى المراحل الأخيرة من مسيرته السياسية

تناولت الرواية إذن مرحلة ما بعد سقوط المملكة العربية في سوريا واضطرار فيصل إلى مغادرة دمشق، أو الفرار منها، ليبدأ مرحلة من جديدة من التجوّل ما بين المدن العربية، يتّخذ الواحدة منها محطّة للانتقال إلى أخرى، من الكسوة إلى درعا وحيفا وبيروت وغيرها، ثمّ بعدها إلى أوروبا، من كومو في إيطاليا إلى باريس وسائر مدن فرنسا، ثم إلى لندن، ليعود منها إلى فرنسا للمشاركة في مؤتمر فرساي، ممثّلاً والده الشريف حسين، قائد الثورة العربية في وجه العثمانيين وحليف الإنكليز الوثيق، وساعياً للحصول على استقلال الأقطار العربية وجمعها في مملكة واحدة موحَّدة.

طبعاً الأحداث التاريخية معروفة بمسبّباتها وبنتائجها، وإن يكن زيادة قد أتى على ذكر الكثير منها في روايته، إلا أنه عرف كيف يتحاشى العرض التاريخي التقريري، لينحوَ بالعمل منحى الرواية الفنية التي تسلّط الضوء على الشخصيات وتحاول استخراج انفعالاتها وتفاعلاتها الداخلية إزاء الأحداث الجارية. ولولا ذلك لوقع في “التأريخ” التقليدي العادي، ولخرجت الرواية عن طبيعتها المفتَرضة.

حكاية الملك المهزوم
“حكاية فيصل” هي رواية الشخصية الواحدة الطاغية، رواية البطل الواحد، فيصل الأوّل، الملك المنهزم الفاقد ملكه، والساعي إلى استعادته في مواجهة التهديد الفرنسي الصريح وتحايل القيادة البريطانية، وموقف والده الشريف الحسين، ما بين عدم ثقته به كقائد وكملك والمتشبّث بمواقفه وبتحالفه الأعمى مع البريطانيين، ما عوّق إلى حدّ كبير مهمّة فيصل، وأغلق في وجهه أبواب التفاوض والتعامل مع سائر القوى الكبرى، علّه يحقّق ما يطمح إليه وتطمح إليه الشعوب العربية.

فيصل وحده إذن في موقف تأمّلي يتعمّق فيه على الذات، ذاته الإنسانية، وعلى علاقته بالآخرين ونظرته إليهم وموقفه منهم، والعكس بالعكس.

يدرك خالد زيادة أن الإنسان أكثر ما يعود إلى نفسه محاسباً ومقيماً، هو في حالات الانهزام والفشل، وهو لذلك ربّما اختار هذه المرحلة من التفكك والانهيار والانكسار، وما تولد عنها من حالة ضياع وتململ وضيق عاشها فيصل بفعل الأحداث الجارية وتداعياتها على مسيرته السياسية.

كثيرة هي المشاهد التي تجري في القطار، أو في البواخر، حيث يبدو الملك فيصل منعزلاً مع ذاته، وحيداً، أشبه بسجين، ودوماً في انتظار رحيلٍ آخر. فهل في ذلك دلالة على عدم الثبات؟ هل أراد الكاتب أن يلفتنا إلى أن العروبة، وبناء الدولة العربية المستقلّة، ما تزال فكرة حائرة ضائعة شريدة طريدة؟

وفي سعيه إلى أسباب الفشل، يبدأ بنفسه. هو الأمير الشاب، الحالم كغيره من أبناء جيله بإقامة ملك عربي، والمقتنع بإمكانية تحقيقه، والعامل مع جمعية “العربية الفتاة” على تحقيق الاستقلال. وهو في صدقه وحسن نيته، تعامل مع أعضائها كما مع سائر معاونيه والمسؤولين عنده بالكثير من الديمواقراطية، إذ أعطى كل فرد حق الكلام والمناقشة واتّخاذ المواقف، وهو ما انعكس على اتّخاذ القرارات، خصوصاً بعد سقوط المملكة.

هو رأى في تفهّم الآخرين هذا نقطة قوة تحثّ الجميع على العمل بحماس للقضية، لكن يبدو أن هذه السياسة أدت إلى تشتيت القوى وإضعاف المواقف، حتى رأى فيه البعض شخصية ضعيفة غير جديرة بالقيادة. وهو نفسه يتساءل عن طبيعته هذه، فليس مستبعداً أن يرى بعضهم اليوم ذلك، ويستغرب كيف أن أميراً من سلالة النبي، ونجل الشريف حسين قائد الثورة العربية، يسمح مثلاً لمحمد رشيد رضا بأن ينتقده ويرفض قراراته متصدّياً له بالقول إنه لا يحقّ “لك” أن تفرض علينا إملاءات.

كما أن فيصل يعترف بسرعة انفعاله وبما كان يعتريه من سورات غضب، يصف الكاتب إحداها بشكل جميل ومؤثّر، وذلك في مشادّة قبل المواجهة الأخيرة مع الفرنسيين في معركة ميسلون، التي منوا فيها بالهزيمة النهائية، وكان يوسف العظمة قد أصرّ على القتال، وأعاد لَمَّ شمل ما أمكنه من القوات العسكرية المنحلّة ليخوض بها معركة غير متكافئة.

تحليل نفسي للمملكة
هذه النظرة إلى الذات ترافقت مع نظرة إلى الآخرين، من قادة وأعوان، وتناوُل شخصياتهم، بجوانبها الإيجابية والسلبية، ثمّ تقييم أدائهم، من نوري السعيد إلى رستم حيدر وأحمد قدري وفوزي القاوقجي وحبيب لطف الله.

عبر نظرته إليهم تنكشف لنا نزعاتهم وميولهم وطبيعة اهتماماتهم، من ساعٍ إلى منصب، إلى طامعٍ في مصلحة ذاتية، إلى متشوِّفٍ مدّعٍ، إلى ضعيف متردّد، وطبعاً بينهم الصادقون المخلصون له وللقضية والمستعدّون للتضحية في سبيل القضية. إلا أن هذه التباينات أدّت أحياناً إلى خلافات أو إلى تقصير وتقاعس، وهو ما عطّل بشكلٍ أو بآخر اتّخاذ القرارات، أو إهمالها، ولم يساعد على تثبيت دعائم المملكة الحديثة العهد أساساً.

إضافة إلى ذلك يأتي دور القبائل والعشائر، التي أيدت فيصل وقاتلت إلى جانبه بمقدار ما كانت تتأمّن مصالحها ومكاسبها. يحضر زعماؤها مبايعين ومؤيدين بالخطب والقصائد، ويغدق عليم فيصل العطاء، لكن عند أوّل أزمة ينفضّون من حوله ويفتّشون عن مصالحهم في مكانٍ آخر، لذلك نسمعه يقول بينه وبين نفسه “هذه أمّة قوّالة لا فعّالة”.

“ماذا لو عاملني العراقيون كما عاملوا جدّي الإمام الحسين من قبل؟ ماذا لو قتلوا أولادي من بعدي؟ ماذا لو كان والدي محقّاً؟”

قد يكون في شخصية فيصل بعض الضعف والتردّد، لكن أسباباً أخرى عرقلته وعوّقت حركته السياسية، وأهمّها علاقته الملتبسة والمضطربة بوالده الشريف حسين الذي لم يكن يثق به، لا بل يستخفّ به، والذي قطع عليه طريق المناورات والتواصل مع سائر القوى العالمية، متشبّثاً بعلاقته بالبريطانيين، بانياً كلّ مواقفه عبرهم حصراً، داعياً فيصل على الدوام إلى التنسيق معهم وحسب. ما جعل سائر القوى العالمية، من الألمان إلى البلاشفة في روسيا، ترفض التعاون معه، ناهيك عن موقف فرنسا العدائي تجاهه.

هذه العلاقة المتوتّرة بالوالد المتسلّط العنيد القليل الحنكة ربما، والذي “وضع البيض كلّه في سلّة واحدة”، أمضَّت فيصل حتى المراحل الأخيرة من مسيرته السياسية، وهو ما جعل الكاتب خالد زيادة يعبّر عنه بطريقة عاطفية إنسانية لا بدّ أن تحكم علاقة الابن بالوالد وترسم له حدوداً لا يمكنه تخطّيها، وحتى عندما عين فيصل ملكاً على العراق، بدا أن والده وافق على ذلك على مضَض.

هذه الأحداث والمواقف صاغها خالد زيادة في قالب فني روائي، يتيح له التعامل بحرّية مع شخصية تاريخية بارزة، ويفسح له مجال التعبير عن مشاعر وأحاسيس بطله. وقد جاءت الرواية كجزءٍ من سيرة ذاتية يروي فيها فيصل مراحل وفصولاً مهمّة عاشها وواجهها في تلك الحقبة.

لا يبتعد الأسلوب كثيراً عن التقرير، لكن ما أضفى عليه حيوية هو هذه الحالات العاطفية الإنسانية التي اعتملت في نفس فيصل، كما صورها الكاتب، والتي صوّرت لنا التاريخ من خارج الأحداث الكبرى التي تحفظها الأعمال التاريخية، وسلّطت الضوء على تأثيرات هذه الأحداث على الأفراد وعلى الجماعات، من قيادات وقواعد شعبية. ولذلك ترافق الأسلوب التقريري الطاغي مع الأسلوب التحليلي، السياسي والاجتماعي وحتى النفسي.

فاعتماد الذاتية والأنا في الراوية أتاح للكاتب أيضاً التعبير بسهولة عمّا عاشه ويعيشه الإنسان العربي منذ تلك الفترة في انكساراته وخيباته وإحباطاته. فعين فيصل هي أحياناً عين الكاتب معبّراً عمّا حدانا من طموحات وأصابنا من خيبات، مشيراً ومشدّداً على أسباب الانقسامات والفشل، المتمثّلة بالذاتية الأنانية وبالعناد والتشبّث بالآراء، وبعدم تقبل الآخر وبالتالي عدم القدرة على التحاور. كما أنها عينٌ داخلية أكثر منها خارجية، تحاسب الذات وتقيم نفسها نسبة إلى الآخرين.

عروبة مضطربة
من ناحية البناء الفني نلمس تفاوتاً في الإيقاع بحسب الظروف والأحداث الجارية، فنحسّه رشيقاً متسارعاً في البداية، حيث الأحداث تتوالى، فإذا الحركة سريعة متنوّعة تتلاءم مع أجواء الصدمة والخوف، ومع محاولات التقاط الأنفاس وإعادة لمّ الشمل، ومع سعي فيصل الحثيث للإمساك مجدّداً بزمام الأمور واستعادة المُلك الموعود.

أما في المرحلة الأوروبية، حيث كان فيصل ينتظر القرارات الدولية حول مشاركته في مؤتمر فرساي، فنجد الحركة هادئة ومتباطئة، يتسنى له فيها التأمّل والتفكير وإعادة النظر والتقييم والتخطيط لما بعد.

عبر هذه الحركة، تُنسَج الحبكة الروائية في مسارٍ سردي خطّي واحد، تتوالى فيه الأحداث وتتعقّد، من دون أن تخلو من استعادات واستباقات، في جوّ من التناقضات التي تزيدها تشويقاً وتبرز حالة الصراع الداخلي الذي عاشه فيصل. البنية إذن تعارضية، يبدو فيها فيصل من جهة، في حالة خلاف أو تناقض أو تنابذ على عدّة مستويات مع عدّة أطراف من جهة أخرى.

فهناك فيصل في مواجهة الفرنسيين، وفي مواجهة أعوانه، وفي مواجهة والده وكذلك الإنكليز، ويمكن القول إن هناك حالة تناقض داخلي بينه وبين ذاته، وكل ذلك ساعد المؤلّف في إبراز حالة الصراع الداخلي التي عاشها فيصل في تلك المرحلة.

وإن تكن الرواية محصورةً في مرحلة زمنية محدّدة، فهي بشكلٍ ما، وبالرغم من اتّساع الرقعة التي جرت عليها الأحداث، من الشرق إلى أوروبا، تبدو في قسم كبير منها محصورة في المكان، وفي تصوير معبّر له رمزيته.

فكثيرة هي المشاهد التي تجري في القطار، أو في البواخر، حيث يبدو فيصل منعزلاً مع ذاته، وحيداً، أشبه بسجين، ودوماً في انتظار رحيلٍ آخر. فهل في ذلك دلالة على عدم الثبات؟ هل أراد الكاتب أن يلفتنا إلى أن العروبة، وبناء الدولة العربية المستقلّة، ما تزال فكرة حائرة ضائعة شريدة طريدة؟

أعتقد أن في هذا التصوير شيئاً من كلّ ذلك، فها هو يصف لنا كيف يحمل فيصل فكرة العروبة متنقلاً بها من مكانٍ إلى آخر سعياً إلى تحقيقها. نسمعه يقول في الصفحة 204: “لم تكنْ العروبة سوى فكرة، فصنعت منها جيشاً وثورةً ومملكة، كوّنتُها على شاكلتي فحملت خصالي وصارت تشبهني في هياجي وصمتي وتردّدي”.

ولا يفوت الكاتب أن يلفت إلى جوانب شخصية ذاتية في حياة بطله، تراه يقوم بنقدٍ ذاتي ويصرّح “أكتب لأكتشف نفسي”، كما نراه في مكان آخر يؤكّد أن “الوقائع هي التي تسيرني”، كأنه منقاد لقدره بشكلٍ أو بآخر. ونتبين من خلال ما يرويه أنه كان شخصية محبّبة في بعض الأوساط، حتى أن بعض السيدات الأوروبيات يبادرن إلى التقرّب منه ويقيم معهن علاقات عابرة.

تبدو إذن حياة الملك فيصل زاخرة بالأحداث في فترة زمنية محدّدة ومعروفة. ويأتي الوضع النهائي في الرواية مفتوحاً على المجهول، فإذ كان فيصل أخيراً، في طريقه إلى مملكة العراق الناشئة لاعتلاء عرشها، يستعيد ما قاله والده الشريف حسين معبّراً عن مخاوفه: “ماذا لو عاملني العراقيون كما عاملوا جدّي الإمام الحسين من قبل؟ ماذا لو قتلوا أولادي من بعدي؟ ماذا لو كان والدي محقّاً؟”.

سألت الدكتور زيادة إن كان يقصد بذلك انبعاث الصراع الشيعي السني. فأكّد أنه عندما كتب الرواية قبل ثلاث وعشرين سنة لم يفكّر في ذلك، وكان هذا الصراع كامناً. وأوضح قائلاً إنه أشار إلى ذلك لأنه كان يعرف المآل الذي انتهى إليه فيصل، إذ هناك شبهات بأنه قُتِل بحقنة مسمومة في سويسرا، في المستشفى حيث كان يعالج إثر نوبة قلبية. كما قتل ابنه غازي، وحفيده فيصل الثاني من بعده مع أفراد عائلته.

لكن من حقّ القارئ المطّلع، وبعد انبعاث الصراع السني الشيعي في العقد الأخير بشكل فاضح، أن يرى في هذه الخاتمة التي اعتمدها زيادة، استشرافاً للمستقبل مبنياً على حقائق ووقائع، وعلى رصدٍ للحركات السياسية في المنطقة، وليس خالد زيادة بثقافته وانخراطه في العمل السياسي والديبلوماسي بعيداً منها. ألا يحق لنا أن نقول إن ذلك المجهول وقتها قد أصبح معلوماً اليوم؟

إن تكن الرواية التاريخيّة محاولة لقراءة التاريخ من منظور مختلف، وللإضاءة على حيوات الناس المغمورة في خلال الأحداث الكبرى، أو على تفاعلات الشخصيّات النفسيّة والعميقة التي تُهمَل في السرد التقريريّ العاديّ، وإن تكن محاولةً لتظهير ما كان ممكناً أن يكون، فإنها أيضاً تفتح المجال للمقارنة بين ماضٍ وحاضر، ولتقييم الحاضر على ضوء الماضي. وفي ثنايا رواية زيادة، حكاية فيصل، ما يمكن اعتباره إضاءة من الماضي على واقعنا الحاليّ. إن أسباب فشل قيام الدولة العربيّة مع فيصل الأول، ضمن نطاق جغرافيّ موحَد يمكن تسميته “وطناً عربيّاً”، ما تزال قائمة حتّى يومنا هذا. ألسنا حتى اليوم ألعوبة في أيدي الدول الكبرى، ربما نرهن أنفسنا طوعاً لها، وربما لحاجتنا إليها. أليس أنّ منطق الفرديّة والأنانيّة والوصوليّة، في أوساط القادة كما وصف فيصل، ما يزال هو السائد والطاغي. أليس أنّ شعوبنا، القبائل عموماً التي انتقدها فيصل بمرارة، ما تزال في الطور العشائريّ بتفكيرها ونزعاتها ونزاعاتها، يوظّفها الديكتاتوريّون في سياساتهم الضيّقة التي تخنق الأوطان كلّما لاح بصيص أمل في قيام الدولة؟ ألا نرى مثالاً لذلك في تفكّك الدول العربيّة وانهيارها بفعل نزاع القبائل والعشائر والعائلات السياسيّة، من ليبيا إلى سوريا ولبنان واليمن وغيرها. هل من داعٍ إلى تفصيل هذه الأمور لندرك أنّنا ما نزال في طور ما قبل الدولة، للأسباب نفسها التي أسقطت مملكة فيصل وما تزال قائمة حتى يوما هذا؟

07-03-2022

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: